الشيخ عبد الغني النابلسي

102

كتاب الوجود

وصل : اعلم أن من الافتراءات الواضحة أيضا على العارفين قول من قال عنهم أنهم يفسرون القرآن بالرأي ، ويتكلمون في معاني الأحاديث بالقياس العقلي على مقتضى رأيهم ، حتى نقل « الأسيوطى » « 1 » في الإتقان عن ابن تيمية كلاما مبسوطا ، منه : « أن طائفة فسروا القرآن بمعان صحيحة في نفسها ، ولكن القرآن لا يدل عليها فيكون خطاؤهم في الدليل لا في المدلول مثل كثير مما ذكر السلمى في الحقائق » انتهى ملخصا . وهذا الزعم صادر عن عدم حصول الفتح والفيض الإلهى على القلوب ، وإلا فقد قال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( الكهف : 109 ) . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ( لقمان : 27 ) . وهذا كله إنما هو باعتبار المعاني الفائضة على قلوب أهل العرفان وإلا فإن معاني التفسير الوارد في السنة « 2 » . وما ذكره المفسرون كلهم لا يكون كذلك غير محصور ، بل هي أمور محصورة ، ومعان مضبوطة ، واللّه تعالى يلهم من يشاء ما يشاء ، من غير قطع بأنها هي المرادة دون غيرها .

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وصوابها : « السيوطي » . يذهب السيوطي إلى أن الفلاسفة زاغوا عن طريق الحق ، ونبذوا الدين وراء ظهورهم ؛ إذ إنهم رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم ، وإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم ، فإن استقام قبلوه ، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه ، وإن اضطروا إلى قبوله حرقوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستنكرة . [ صون المنطق والكلام ( 166 ) ] . ( 2 ) انظر : لطائف المنن لابن عطاء اللّه السكندري ، الباب الخامس ، في تفسير آيات من كتاب اللّه تعالى في تبين معناها وإظهار فحواها ، ( ص 125 - 138 ) . والباب السادس في تفسير الأحاديث النبوية وإبداء أسرار فيها على مذهب أهل الخصوصية ( 139 - 154 ) .